BrainStorm

يريد الله أن يخفف عنكم و خلق الإنسان ضعيفا

17- لكنك لست صغيرا..

السلام عليكم و رحمة الله وبركاته

موعدنا اليوم مع حادثة أعدك انها – فعلا – من الحوادث القلائل التي يمكنك ان تصفها بكونها “غير قابلة للتكرار”

أنت تعلم انها اتية لا محالة..لكنك أيضا لا تشعر فعلا بدنوها إلا عندما تقترب من حافتها…ثم ما أن تبتعد عن الحافة حتى تنفس الصعداء و تنسى كل شيء عنها ..

لا تكاد تحتمل أن يتلفظ بها أحدهم أمامك و سرعان ما ترجوه أن يغير دفة الحديث خوفا من الفأل السيء

كان الانجليز من فرط جهلهم و خوفهم أيضا من تلك الحادثة يصورونها في القرون الوسطى في هيئة هيكل عظمي يرتدي معطفا طويلا أسود اللون و يمسك منجلا كبيرا لامعا و يطوف على ضحاياه..

طيب أظن أنكم خمنتم الان ما هو؟

المـــــوت

“يا نهار أبيض! انت طلعت منهم؟”

“منهم إيه يا بني؟”

“بتوع الموت و عذاب القبر و الشجاع الأقرع!!”

“طب اهدى يا بني كدة و اسمعني الأول لسة فيه مرحلة قبل الكلام دا كله”

أولا الحديث عن الموت ليس فألا سيئا..و ليس مما يجلب النفور..بالعكس..ربما تندهش لو قلت لك أن الرسول عليه الصلاة و السلام أمرنا بهذا

!!!

قال عليه الصلاة والسلام: { أكثروا ذكر هاذم اللذات } [الترمذي وحسنه]

لن أطيل عليكم في وصف مشاهد ما بعد الموت لأنني لست عالما و لأنني اعلم أنك سمعتها مئات المرات من قبل لكننا-أناو انت- لا نتخيل أننا قد نمر بتلك المرحلة..على الأقل إلا و قد أعددنا لها عدتها

طيب..تأمل معي أولا هؤلاء

شاب أنهى دراسته الثانوية و يتطلع بفارغ الصبر للالتحاق بالكلية التي طالما تمناها

شاب اخر انهى دراسته الجامعية بتفوق و يتنتظر وظيفة مرموقة

شاب ينظر إلى نفسه في المراة و يعدل ربطة عنقه في قلق و ينظر إلى ساعة الحائط ..قبيل ساعات من فرحه

رجل يجلس بقلق خارج غرفة العمليات منتظرا صرخات مولوده الأول

ما الذي يجمع كل هؤلاء؟

لو أنك جئت من خلفهم و همست في أذنهم بكلمة الموت..قد يجفل أحدهم و يتراجع في صدمة..ماذا؟ الان؟ لكن..لكن..اشمعنى؟

لا تخجل من تلك الكلمة فهي قد تدور بخلدي و خلدك في مواقف كتلك نزداد فيها تشبثا بالدنيا فلا ننتبه لتلك المصيبة..ألم يصفها ربنا بالمصيبة في كتابه الكريم؟

لا تكاد تجد في دنيانا من يذكر الموت سوى العجائز الذين طال بهم العمر و فقدوا أزواجهم و أهلهم و جلسوا بعد المعاش في المساجد يصلون و يقرأون القران..بارك الله فيهم و رزقهم ما يتمنون..و حين تحدثهم بأي شيء تجد الرد دائما مقترنا ” إن شاء الله إن عشنا يا بني..خلاص يا بني مسك الختام..”

لكن ماذا عنا أنا و أنت ؟ لا أرى فيما سمعت أو قرات ما يدعونا للاطمئنان لهذه الدرجة..على العكس..احدى علامات اقتراب الساعة هو موت الفجأة..الذي يطالعنا في الصحف كل يوم تقريبا..شاب متهور يقود سيارته على الطريق السريع..العواصف التي تعيق الرؤية في الطرق..غرق المراكب و السفن..اللصوص و قطاع الطرق..او مقطورة تطير فوق الكوبري لتسقط مهشمة سيارات تسير تحت الكوبري و تقتل من فيها “حصلت على فكرة دون أدنى مبالغة!!”

كما ترى فالموضوع ليس بعيدا لهذه الدرجة..و طالما ليس بعيدا فأنا لا أرى سببا مقنعا يدفعنا أن نؤجل أي طاعة إلى الغد الذي قد لا يأتي..

و الأدهى أن هناك من يتعلل بجهله بالطاعات و يرى أنها قد تكون له عذرا و هذه حجة واهية

لو كنت قد حشوت مخك بأشياء أقل قيمة كأخبار لاعبي الكرة و الأغاني و المسلسلات و وجدت لها مكانا فلم لا تحاول أن تعرف أكثر عن دينك و الوسائل كثيرة و متاحة والحمدلله..أقلها أن تفتح نافذة جديدة للمتصفح و انت تقرأ هذه المقالة ثم تختار اسم أيا من المواقع التي قد وضعتها أنا على اليمين أو أي موقع ديني اخر تعرفه و تثق به

امم حسن أعلم انك كنت تنتظر هذه اللحظة..سأحكي لك قصة أخرى من قصص دكتور حسيب جزاه الله عنا خيرا

اصطحب رجل أسرته المكونة من زوجته وولده و ابنته الصغيرين إلى المصيف..و بينما هم في الطريق استوقف سيارتهم شاب يبدو عليه امارات البهجة

سأله الأب

“انت مين؟”

رد الشاب ببساطة ” أنا الضحك و الفرفشة”

فكر الرجل” اه طبعا..احنا رايحين نصيف..يعني نفرفش..عايزين شوية فرفشة”

“اركب يا كابتن”

ركب معهم الشاب

انطلقت الأسرة بسيارتها حتى استوقفهم رجل اخر يبدو عليه معالم الثراء

“أنت مين؟”

” أنا الفلوس!”

فكر الرجل مرة أخرى ” طبعا احنا محتاجين فلوس عشان نصيف و نفسح العيال و ناكل جيلاتي”

“تعالى..وسع يا واد لعمو “

مضى الرجل بسيارته مرة أخرى حتى استوقفه كهل عجوز

” من أنت؟”

صمت الرجل قليلا ثم قال بهدوء:

أنا الدين

تهلل وجه الرجل و نزل من سيارته فاردا ذراعيه على اتساع

“عمو الدين؟ ازيك يا عمو الدين؟ عامل إيه؟ نفسي أبوس إيدك يا راجل يا بركة..تعالي يا بنت سلمي على عمو..البنت ما شاء الله حافظة جزء عم..سمعي لعمو يا بنت..هه؟ معلش شكلها مش مراجعة كويس هاهاه..”

بهدوء أكثر رد الرجل

“ممكن أركب معاكم”

“..اه طبعا..أوي أو..

ثم نظر لسيارته و تذكر أنه لم يعد هناك مكان لشخص اخر..ووجد أن الفرفشة و اللهو و المال هم جزء أساسي من الرحلة..اما الدين فيمكنه الانتظار إلى حين رجوعهم

اعتذر له بأدب و قبل يده مرة أخرى و عاد إلى السيارة عازما على العودة إليه حين رجوعه

سار بسيارته مرة أخرى حتى وجد لجنة بانتظاره

“انتم مين عايزين تركبوا كلكم أنتم كمان؟”

“لا عايزين ننزلك”

“ليه؟”

الموت

ارتعد الرجل نزل من السيارة ثم تذكر شيئا..

“ممكن اخد عائلتي معايا..”

“لا”

“طب الفلوس”

“برضه لأ”

“طب الفرفشة”

“اسفين..الوحيد اللي كان ممكن تاخده أنت عديته بعربيتك “

“طب ارجع له ..ده أنا لسة سايبه و كنت ناوي أرجع اخده”

“مفيش رجوع”

****

حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون

****

طيب أظن أنه الان فهمت أن نظرتنا إلى الموت باعتباره أمرا بعيدا هي نظرة قاصرة و تدل على قصر نظرنا..و يمكنك أن تسير في جنازة أحد معارفك ممن ماتوا في سن صغيرة أو تشاهد غسله لتعلم عم أتكلم..كلهم كانت لديهم أحلام مثلي و مثلك..وظيفة و زواج و صرخات ابنهم الأول..لكن هذا ليس حائلا كما ترى..

هناك موت

و هناك عذاب قبر

و هناك شجاع أقرع

و هناك حساب

و هناك جنة و نار

و قد يأتيك كل ذلك قبل أن تصير كهلا يجلس في المسجد يقرأ القران ليلا و نهارا

ولا تتعذر بأن الاهتمام بتلك الأشياء يسلبك متعة الحياة..فالمؤمن كيس  حذر

و ذكر الموت من الكياسة كما قال النبي صلى الله عليه و سلم

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أتيت النبي عاشر عشرة، فقام رجل من الأنصار فقال: يا نبي الله! من أكيس الناس وأحزم الناس؟ قال: { أكثرهم ذكراً للموت، وأكثرهم استعداداً للموت، أولئك الأكياس، ذهبوا بشرف الدنيا وكرامة الآخرة } [الطبراني وحسنه المنذري].

و كان سيدنا عمر رضي الله عنه لديه خاتم نقش عليه

كفى بالموت واعظا يا عمر

و المفكر الراحل مصطفى محمود رحمه الله قال

لا يوجد وهم يبدو كأنه حقيقة مثل الحب.. و لا حقيقة نتعامل معها …و كأنها الوهم مثل الموت

!!

فكن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل

****

يروى أن أعرابياً كان يسير على جمل له، فخر الجمل ميتاً، فنزل الأعرابي عنه، وجعل يطوف به ويتفكر فيه، ويقول: ما لك لا تقوم؟

مالك لا تنبعث؟

هذه أعضاؤك كاملة!!

وجوارحك سالمة!!

ما شأنك؟

ما الذي كان يحملك؟

ما الذي صرعك؟

ما الذي عن الحركة منعك؟

ثم تركه وانصرف متعجباً من أمره، متفكراً في شأنه!!

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: