BrainStorm

يريد الله أن يخفف عنكم و خلق الإنسان ضعيفا

38 – متى يتوقف الثور ؟

Image

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

كالعادة أعود لأكتب هنا حين أجد أنه لا مفر من الكتابة , فعندما تتابع الأحداث في وقت قصير , تجد أنك بعد سعيك المحموم هنا و هناك تحتاج ﻷن تضيع ثانية أو اثنين لتقف تلتقط أنفاسك ..و تفكر لاهثا ” يا إلهي ! كيف وصلت هنا؟ “

“لم أكن أتصور..”

……

“كم تغيرت!..”

****

إن الثور الذي يدور في الساقية كائن مثير للاهتمام حقا …

فهو يتحرك في صمت ..دون تبرم..يدور في صمت ..

يدور..

يدور..

ألا يشعر بالملل؟

كل لفة تشبه التي قبلها..

يربط صاحبه عينيه حتى لا يشعر بالدوار..فيدور في تلك الساقية دون أن يحيد..كأن مساره القضبان..

يوما اثنين

شهرا شهرين

عاما عامين

يضيع عمره في الدوران..لا يدري هو نفسه فائدة عمله ..فهو لا يرى المياه ولا يرى الزرع..

يسمع صرير الساقية الخشبية العتيقة..يشعر بالأرض الطينية تتبدل تحت قدميه مع تبدل الفصول ..

ربما في خياله الصغير يتخيل كل لفة تختلف – ولو قليلا – عن التي قبلها..هذه أطول قليلا..هذه أصعب من التي قبلها..هذه أسرع ..و لربما توقف قليلا ليهز ذيله…لا لشيء إلا ليكسب نفسه شعورا زائفا بالتحدي و التمرد..قبل أن يشعر بالخوف – أو بتأنيب الضمير! – و يعود للدوران

******

تخرجت من الجامعة ولله الحمد..شغلت وظيفة ذات مستقبل مأمول و لله الحمد..غادرت منذ أيام لتأدية الخدمة العسكرية

خلال الفترة القصيرة التي قضيتها في العمل..و الفترة الأكبر التي قضيتها في الجيش…

كنت أشعر دوما أن الهدف من  الحياة في بلاد كبلادنا هي إرضاء من هم أعلى منك منصبا..أو رتبة..

و لو وصل الأمر إلى تملقه..

و كلما علا أحدهم درجة في وظيفته..يسعى جاهدا لنفي أي شك قد يساور رؤسائه بأن خضوعه قد فتر..فيجد أنه قد صار مطالبا أكثر من ذي قبل بتقديم فروض الطاعة..التي تختلف أسماؤها ووسائلها مع اختلاف المناصب و مع مرور الزمن…

و بعد ثورة يناير..صارت الامور أسوأ..فصرت مطالبا أكثر من ذي قبل بنفي ما قد يساور أذهان بعض رؤسائك

من أنك أحد شباب الثورة المتمرد الذي صار لا يحترم الكبير .. فنحن جيل مالوش كبير..و الدليل هو ما فعلناه بالريس

!!!!

بعد مروري بأزمة مالية طاحنة في أول استلامي للعمل..و بعد أن قضيت أياما صعبة في محاولة فهم مسئوليات عملي الجديد ..لا أدعي أنني قد فهمت إلى الان ما هو المطلوب مني بالضبط كطبيب عيون ..و ما إذا كانت بعض المهام التي قد قمت بها تندرج تحت مسماي الوظيفي أم لا ..

أذكر أنني قرأت عن معاملة السلف لأساتذتهم و معلميهم..و كيف كان هارون الرشيد نفسه يأمر أولاده بالتذلل و الخضوع لمعلميهم..و غسل أرجلهم إذا لزم الأمر..

لا أرى في ذلك أي غضاضة ..قطعا..

لكن حينما يجتمع أطباء المستشفى المقيمين الشباب في المطعم صباحا..بوجوههم المنهكة من السهر و شعورهم المنكوشة..و بذلاتهم الزرقاء و بلاطيهم البيضاء يحتسون الشاي في الصمت..نظرات أعينهم توشي أنهم قد قضوا أياما في غسل الأرجل ..بينما لم يتلقوا في المقابل ما يكفيهم من العلم ..

مع مرور الزمن ..و انتشار المستشفيات الخاصة ..تحولت علاقة الأستاذ بمتدربه من علاقة أبوية حانية..إلى علاقة متوترة يشوبها نازع خفي بالتهديد و التلويح دوما ب ( الحرمان من العمليات – الماستر – الدكتوراه..) و هي أوراق رابحة ولا شك..و تكفي لقصم ظهر شاب قضى أكثر من ربع قرن من عمره في انتظارها…

يقولون أن الراحة عندنا تأتي بعد الدكتوراه..ربما..لكنني لا أدري بالضبط كيف لمن تعلم الخوف عمرا أن يفهم معنى الراحة ..و أن يبدأ بعد ذلك سعيه للتعلم و التدرب

و كيف ستكون علاقته بعد ذلك كأستاذ بمن تحته ؟ هل سيتجنب تكرار المأساة؟ أم سيكتفي بترديد المقولة الخائبة ” كلنا كنا كدة! يعني أنتو أحسن مننا..”

كم يؤلمني ما أسمعه عن أساتذة الخارج و علاقتهم بطلابهم..و كيف يحرصون على كرامتهم و تعليمهم..و أن الطبيب هناك لا يقضي وقته في  المستشفى إلا فيما يتعلق بشئون مرضاه.. ..

هل تعلم أسوأ ما في الموضوع؟

لا لم أذكره حتى الان..لأنني لم أدركه إلا في نهاية الأمر

كم مرة انهمكت في عمل ما ..حتى نظرت إلى الساعة فجأة فوجدت أنك قد تأخرت عن الصلاة ؟

هل آلمك هذا؟ ربما في البداية

هل تكرر الموضوع؟ نعم ؟ حسن..هل شعرت بتراجع الألم في كل مرة..و أن الأمر قد صار أسهل على نفسك

كم مرة قصرت في حق أهلك ؟ كم مرة كلمتك أمك أثناء انشغالك بالعمل فلم ترد و نسيت أن ترد عليها لاحقا..معللا لها ذلك بانشغالك و …

هل صرت تواظب على قراءة القران كما كنت أثناء دراستك..ام صرت تتلمس لنفسك العذر أن العمل عبادة  أن نواياك حسنة و أهدافك نبيلة و أن هدفك الخفي هو رفعة الأمة..و أن صالح المريض منفعة متعدية ..رغم أنك تشعر أن ما تقوم به لا يمت بصلة لصالح المريض..بل إنك قد تصير أكثر حدة في تعاملك مع المريض عن ذي قبل..لأنه قد صار هو الوحيد الذي لا يعلوك منصبا و لا تنتظر منه مصلحة..و قد تميز بين المرضى !..

هناك أشياء لها أهمية أكبر في حياتنا..لكننا لا ندرك هذا إلا متأخرا جدا..حينما ننزع العصابة عن عينينا و نتوقف عن الدوران في الساقية..حينما ترى الشيب يغزو رأسك و أنت مازلت في العشرين دون أن تشعر أنك قد قدمت فعلا شيئا لأمتك..

حينما تشعر أنك قد صرت أكثر عصبية و سخطا..

حينها ..عليك أن تتوقف لتعيد حساباتك..و تدرس كيف يمكنك أن تعيد التوازن المفقود لحياتك مرة أخرى..

ثم تضع العصابة على عينيك و تعود للدوران من جديد

…..

******

قال إسماعيل بن إسحاق الثقفي: (قلت لأبي عبد الله-الإمام أحمد بن حنبل- أول ما رأيته: يا أبا عبد الله، ائذن لي أن أقبل رأسك. فقال: لم أبلغ أنا ذاك)

*********.

“The true measure of a man is how he treats someone who can do him absolutely no good.” – Samuel Johnson (1709 – 1784)

************

وفقنا الله و إياكم لما يحب و يرضى..

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: