BrainStorm

يريد الله أن يخفف عنكم و خلق الإنسان ضعيفا

39-عزلة صاخبة..

image

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته..

لطالما كنت أحاول أن أبقي ما يكتب في هذه المدونة بعيدا عن تفاصيل حياتي الشخصيةلأنني أؤمن أن هؤلاء الذين يكتبون عن أنفسهم و ما يمرون به من صعاب هم ضعاف العزيمة لا يقوون على كتمان مشاعرهم ..ـأو ممن يستجدون تعاطف الناس للفت الأنظار..أو من هؤلاء الحمقى الذين يؤمنون أن السير الذاتية تجذب دوما عددا هائلا من القراء و أنها الأسهل في الكتابة من أن تؤلف قصة تحكي مأساة شخصا اخر..

أعدك أنني لست واحدا من هؤلاء ..أنا ببساطة شخص يحاول ترويض إعصار هائل في رأسه بمحاولة ترتيب الأحداث التي مرت به خلال ستة أشهر فقط..لكنها كانت في أهميتها تفوق ما مر به في سنين عمره الست و العشرين الماضية..

أتأمل مروحة السقف متصنعا العمق ..الجو حار خانق ..محاط بكتب بها الكثير من الرسومات التفصيلية عن تشريح وفسيولجيا العين..متوجسا أرمق باب الغرفة منتظرا ذلك الصول الذي سيأتيني في أي لحظة كما يفعلون دائما لنهب محتويات العيادة..أو مكالمة من الهاتف الابيض المقيت الذي لا يحمل لي سوى المتاعب و المأموريات و زيارات ليلية لمتصنعي المرض الذين يمرون بأزمة منتصف العمر..

أهلا بك في الجيش عزيزي الطبيب المجند..

*******

أحاول أن أمسك طرف الخيط الذي بدأت منه الأحداث..فلا أتذكر سوى ذلك الفجر ..ذلك الفجر..حينما انتبهت إلى أن أمي التي اعتادت على أن تهب من نومها مع أقل صرير يصدر عن باب الغرفة..كان المنبه يدوي منذ دقائق في الغرفة لكنها لم تستيقظ بعد..ذهبت لأوقظها لأجد يدها التي تراخت في الهواء بجانبها باردة كالثلج..أزحت الوسادة التي اعتادت وضعها على رأسها أثناء النوم..

حدثني الكثيرون عن موت الفجأة ..لكنني لم أكن أتخيل وجوده قبلا ..ربما لضعف في الإيمان..ربما لأن الأطباء غرهم ما درسوه عن الأمراض أعواما طوالا حتى صار فكرة أن يموت شخص دونما علة أو مرض هو شيء لا يقبله العقل..تكلم الكثيرون يومها عن الذبحة الصدرية و الارتجافات البطينية..لا أعلم ما الجدوى..ما حدث قد حدث و لم أر الطب هذا اليوم ينفعني

*********

الصبر عند الصدمة الأولى..

علة أخرى في الإيمان..الصبر عند الصدمة الأولى..كالسيدة التي جلست تبكي عند القبر و مر عليها رسول الله صلى الله عليه و سلمكلنا استنكرنا عليها فعلتها..لكن دعني أخبرك ..هذا شيء صعب جدا..ألا تبكي ألا تنتحب..أن تفقد احساسك للحظات ..ألا تذكر أن تحمد الله و تسترجع إلا بعد رجوعك إلى المنزل الخالي و توالي المكالمات..لكنك لا تذكر بالضبط ما حدث خلال تلك الساعات..لهذا صدق رسول الله حين سماها الصدمة..للأسف تكتشف أن الصبر يرتبط بالإيمان الحقيقي في القلب..لا بلحيتك ولا صلاتك و لا عملك..بإيمانك….

حينما تضطر في ظروف كهذه أن تترك أسرتك ..و قد شعرت فجأة بعمق الرابطة التي بينك و بينهم الان فقط و في هذه اللحظة..تجد نفسك مسافرا في وسط الصحراء لتقيم وسط الأغراب تمارس نوعا من الطب المشوه..الذي هو خليط من الطب و الصيدلة و التملق و المداهنة و بائع السوبر ماركت..لتكتشف نظاما جديدا من العبودية يجعلك تفهم لماذا يصر كل من ينهي جيشه على السفر و مغادرة البلد..لقد رأى ما لم يره الاخرون..لقد عرف أكثر من اللازم..

في هذه الأثناء كان بيتنا في حال يرثى لها بعد وفاة والدتي..حقا لم أدرك كم كانت والدتي هي عماد هذا البيت ..حتى رحلت..حينها بدأنا نتخبط في ادارة المنزل ..و استذكار الدروس..فننجز شيئا و نخفق في اخر..كيف يمكنك أن تستيقظ يوما لتنظف الشقة و تطهو لعائلتك و تذهب للعمل و تعود لتستذكر دروسهم .. أنا و أنت لا نستطيع فعل ذلك..لكن هناك شخص فعلها اسمه أمي..لا أعلم كيف لكن أمي كانت تفعلها كل يوم..كل يوم..لأكثر من عشرين عام..

….

أجنحة متكسرة..

كلنا نحلم ..كلنا نطمح أن نكون شيئا ما..كلنا نتمنى أن نبرع في ما نفعله..أن يشار إلينا بالتميز و النفوق..أن نكون نجوما لامعين..و أنا لست مختلفا..حاولت كثيرا أن أكون طبيبا ماهرا في تخصصي..قرأت الكثير ..درست الكثير..شاهدت الكثير..لكن ما المقابل؟

أتذكر عندما كانت أمي تكلمني لأعود للمنزل لأساعدها ..فكنت أرد عليها بانشغالي في العمل و أنني سأبيت هناك ..رغم أنني لم أكن مضطرا..كانت أمي تصمت..

تجد نفسك بعد فترة معتادا على تأدية كل تلك المهام الصغيرة القذرة التي تمت لعملك بصلة من قريب أو بعيد لترضي رب عملك..و تتناسى أن هناك بالمنزل من ينتظرك لتساعده..من هو أحق بجهدك من هؤلاء..الذين اكتشفت فيما بعد..أنهم لا يحفظون ودا و لا عهدالا كبيرهم و لا صغيرهم..جل ما يهمهم هو اتمام العمل حتى لا يأتيهم التقريظ و اللوم ممن هو أكبر منهم..و أنت طبعا تقبع في الدرجة السفلى من السلسلة….

لا أحد منهم يكترث لأمرك مثلما كانت تفعل أمك..لا أحد منهم يطهو لك الطعام أو يكوي ملابسك..لا أحد يدعو لك في صلاة الفجر أو يشفق على مرضك..و في أول لحظة تضارب مصالح ترى الوجه الحقيقي لبعضهم..لتكتشف بعدها أنك أضعت عمرا في ارضاء الشخص الخطأ..تحت مسمى تأدية العمل

لكن للأسف هذه افة مجتمعنا كله..حيث يرتبط تملق رب العمل وارضائه بالجزاء..نظام عبودية اخر لا يختلف كثيرا عن الخدمة العسكرية

لا تحاول المراوغة من فضلك و تدعي أنك تسعى أن تكون طبيبا مسلما ماهرا الخ ..الخ..هناك الكثير ممن يمكنهم أن يبرعوا في الطب..لكن لا يوجد شخص اخر ليساعد أبيك العجوز و أمك المريضة في المنزل……

بعد وفاة والدتي صارت الأمور أصعب..لكنني لن أتردد كثيرا هذه المرة ..ربما كان الطموح شيئا جميلا ..لكنني أبدا لن أرتكب ذات الخطأ مرتين..فلينتظر الطموح يوما اخر..سيأتيني رغما عن أنفه……

*******

دكتور زيفاجو

كعادة الملاحم الاجتماعية تتلاقى ظروف البطل مع ظروف المجتمع ..فكانت قصة دتور زيفاجو انعكاسا لما مر به هو و من حوله أثناء الثورة البلشفية الروسية..و كيف أثرت تغيرات المجتمع وقتها على حياته ..

لا ..يمكنك أن تلحظ في عيوني المتراخية على التلفازالذي لا أشاهد فيه سوى قناة القرآن و قناة الكارتونأنني بعيد كل البعد عن هذا الهراء الان..لا أفكر كثيرا في حزب أو زعيم ..في حكومة أو معارضة..بعد أن كثر اللغط على مواقع التواصل الاجتماعي..كل فريق يضع صورة بها دائرة حمراء حول شيء معين يثبت أن الاخر مدلس و كذاب و مخرب..و ووجه ياو مينج المستفز لم يفقد شعبيته بعد..حقيقي لا أرى سوى وطن ينهار بين حكومة و معارضة ..يردد الأغبياء من الطرفين هذه الجملة ليل نهار دون ادراك أنهم هم سبب انهيار الوطن..فالدولة خيبت امال لابنائها..و لم تحقق شيئا من العدالة المنشودة..و لم تنصر الشريعة من بعيد أو قريب ..و المعارضة لا هم لها سوى ترقب كل مصيبة أو كارثة تحدث للوطن لتنقض كالطيور اكلات الجيف تملأ الدنيا صراخا و عويلا و تويتا..

لا ..دعنا لا نتوقف عند هذه النقطة..ليس هناك الكثير مما يقال..

******

حينما طرح أحد أفراد عائلتي فكرة الزواج أول مرة شعرت بالسخف..

كنت أتخيل نفسي وقتها رب الأسرة..فوالدي كبير السن..اخوتي صغار لم ينهوا دراستهم بعد..لا أتحدث عن المقدرة المالية و كل هذه الهراء..لكنني شعرت أن الزواج الان هو ضرب من الأنانية المفرطة..كنت أقرأ كثيرا في بريد الجمعة عن الأخ الكبير المضحي..الذي ذهب ليعمل بالخارج و ظل يعول أسرته و اخواته الصغار ..حتى فاته قطار الزواجبالطبع لم أجسر على أن أتخيل نفسي في موقف كهذا..أنا لست بهذا النبل..لكنني في المقابل كنت أشعر أن من يتزوج الان في هذه الظروف هو وغد جشع لا يهمه سوى صالحه الشخصي..و لربما سعى في غمرة جشعه أن يسلب اخوته الصغار أموالهم..هذه الفكرة الأخيرة كانت تؤرقني بشدة..تبا..يا لي من وغد ..

حتى فوجئت ذات يوم أن من يطلب مني أن أبحث عن زوجة هو والدي شخصيا..كيف؟ كان قديما يطلب مني التريث..الان يستعجل الأمور بشدة و يعدني بتجهيز الشقة البسيطة التي نملكها من ماله..و يحثني على البحث عن زوجة و بسرعة..

قال لي ذات مرة عندما رأى امتعاضي من الشقة البسيطة أنت زعلان ليه!! أنا بعمل كدة عشان تفرح!!”

كانت كلمات مؤثرة..أدركت بعدها أنني لازلت الطفل الصغير..و أنني لا أختلف كثيرا عن اخوتي الصغار..و أن أحلام الأخ الكبير رب الأسرة هي ضرب من الخيال

..

غير أنني صدمت بعدها أثناء رحلة البحث عن زوجة بمن كنت أظنهم ملتزمين خلقا و دينا..أدركت كم هو سهل أن تدعي التدين و الالتزام و تيسير الأمور حتى تأتي لحظة الحسم..فترى الوجه الحقيقي لأسرة فتاة مصرية عادية..تبحث و تنقب..تكذب و تخفي..تباهي و تدعي..ثم في النهاية ترفض….

حمدت الله على أنني لم أزج بوالدي الحزين مثقل الكاهل في هذه القصة التي لم أخضها بعد و لا أرغب في خوضها بهذه الطريقة..

أيها الشاب الملتزم الغر..فضلا لا تثقل على أهلك بأحلامك عن فتاة الأحلام الملتزمة التي ترضى بأقل القليل..و الأب الذي يطلب لابنته مهرا حفظ اتمام حفظ القرآن الكريم..أفق من فضلك ..

*******

عدنا للغرفة الضيقة..و مروحة السقف..و الباب الذي ينتظر دقات الصول الفجة من أجل دواء لأسرته أو قياس الضغط للمرة الثانية في نفس اليوم..أو البحث عن دواء الكحة لأسباب معروفة طبعا..

يستغرب الكثيرون هنا لم أغلق باب الغرفة دوني و أجلس صامتا أقرأ أو احتسي القهوة..لا بد أن البعض يظنني مخبولا..غير أنني أفضل الخبل على قطع هذه العزلة التي تجعلني أعيد التفكير بين الحين و الاخر و أضع الأمور في نصابها

يقول جبران ” الوحدة مملة..لكنها أكثر انصافا من ضجيج يمتليء نفاقا ” و هو محق تماما….

أشعر أن العاصفة قد هدأت قليلا داخل رأسي..الآن تصير العزلة في هذا المكان نشاطا محببا..تشعر أنك تقترب من فهم أشياء لم تكن لتفهمها قبل الآن..أنك وصلت لمرحلة من الصفاء الذهني في عالم صاخب خارج باب هذه الغرفة..

ما لا يقتلك لن يجعلك أقوى إلا إذا لم تستسلم أنت للظروف و وقفت تبكي ..

أنا في الجيش ؟ لا أمارس الطب؟ حسنا لكن كومة الكتب أمامي كتبها من يمارسون الطب..

الطعام قليل ؟ فرصتي لأتبع حمية و أمارس الرياضة ! ..المرتب لا يكفي؟ تعلم الادخار و ابدأ في العمل والاعتماد على نفسك..لا أحد يخدمك؟ تعلم الطهي و غسيل الملابس و كيها ..يجب أن تجعلك هذه التجربة شخصا اخر..الاستسلام للظروف يعني الفشل..و أنا أمقت الفشل ..

فقط تؤرقني هذه الكوابيس التي أراها ليلا أثناء نومي على سرير الكشف بالعيادة ..لماذا ما زلت تبكين يا أمي؟

هل سمع أحدكم صوت طرقات على الباب؟

******

جندي طبيبمحمد رفعت

8-5-2013

الله ..الوطن

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: