BrainStorm

يريد الله أن يخفف عنكم و خلق الإنسان ضعيفا

43- و تذكرت أني إنسان..

4425437_12944401_b

 

 

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.

..

أفقت ذات صباح مذعورا و قد تعلقت عيناي بصورة مقلوبة للشرفة التي أطل منها نور الصباح.. كالعادة أبحث بجنون عن ساعة حائط تعمل..تذكرت أن الهاتف المحمول بجانب الوسادة..أمسكته و ضغطت أزراره بلهفة لأعرف كم الساعة الان..رباه..هل تأخرت؟

هدأت أنفاسي فجأة و توقفت ضربات قلبي المضطربة و عاودت انتظامها ..حينما عاد إلي جزء من وعيي..ـأرجعت رأسي لأدفنها في الوسادة مرة أخرى..

تبا لقد نسيت أن اليوم إجازة العيد..

********

في عوالم لا تعلم شيئا عنها عزيزي القاريء..تقع مهنة عتيقة بدأت بسحرة الفراعنة و أبوقراط الذي أطلق قسما غبيا بعدما اخترع ترياقا فاشلا أو اثنين و اكتشف بضعة أمراض دون تفسير..مرورا بالعلماء المنبوذين أصحاب السوالف الشعثة الذين ماتوا لتذوقهم كل هراء يصنعونه في معاملهم….و انتهت بطبيب شاب منهك يقوم بكتابة الليستة على جهاز الكمبيوتر في السابعة صباحا محاولا تذكر الاسم الثاني للمريضة نفيسة التي ستقوم بإجراء عملية مياه بيضاء في عينها اليمنى..لحظة من قال إنها اليمنى.

حك رأسه قليلا محاولا التذكر ثم أخيرا قام بما يفعله كل مرة..اسمها ” نفيسة محمد” و كفى..

في رضا نظر لليستته المطبوعة و التي تصف باقتضاب المرضى الذين سيقومون بإجراء عمليات في ذلك اليوم..لسبب ما كانوا جميعا يبدون كالأشقاء إذ اشتركوا في الاسم الثاني “محمد” لكنه لم يأبه كثيرا لهذه الملحوظة..

إنه اليوم الكبير..الذي كنت انتظره طوال الأسبوع

“استعنا عالشقا بالله”

ثم ارتدى المعطف الابيض و انطلق

*****

دعني أشاركك القليل عن دورة حياة طبيب التخصصات الجراحية…الأيام لا تبدأ بالسبت و تنتهي بالجمعة مثل العامة..

عوضا عن ذلك يمكنك اعتبار أن الأسبوع يتمركز حول يوم كبير ..الليستة

الليستة هي يوم العمليات كما هو واضح..

باقي أيام الأسبوع تقوم على خدمة الليستة و تحوم حولها..و كلما اقتربت من الليستة زادت أهمية هذا اليوم..

فاليوم الذي قبل الليستة اسمه مرور الليستة..و الذي قبله عيادة دخول المرضى..أي مرضى؟ مرضة الليستة!@

اليوم الذي بعد الليستة هو مرور ما بعد الليستة و الطواريء ..و في منتصف الدورة هناك يوم خفيف ..يدعى بالاشارات و العيادة..هذا هو ما ندعيه..لكن هذا يوم هدفه الحقيقي هو التحضير نفسيا و بدنيا  و هاتفيا لليستة القادمة..

****

ذات يوم استيقظ الطبيب ليفاجأ بأن اليوم هو يوم العيد..يوم فرح و حبور

أصابه الذعر..

يا إلهي..إنه يوم فراغ..فرااغ..فرااااغ…

أخيرا سأحقق كل ما أتمناه..سوف

توقف قليلا عن التفكير..سأحقق..ماذا سأحقق؟ لا أذكر بالضبط ماذا سأحقق..كان يشعر كحمار فصلوه عن العربة التي يجرها و طلبوا منه الانطلاق..أين يذهب و هو لا يعرف أصلا سوى العربة؟

حاول أن يتذكر مواهبه القديمة..أمسك الورقة و بدأ في رسم الأشكال..جاءت الخطوط باهتة و مخيبة للامال و محبطة للغاية..

حاول الكتابة..فكر في قصة جيدة..لكنه كلما بدأ في قصة ما وجد أن البطل طبيب شاب يعمل بدون كلل..الخ..فيمزق الورقة..

هداه تفكيره للخروج للتنزه..لكن أين؟ صار شيخا لا يقدر على لعب الكرة و ركبتاه تصدران صريرا كمفصلات باب عتيق ..و هو لا يعلم أين يذهب من هم في مثل سنه للتنزه..و أصدقاؤه تخلوا عنه ﻷنه قد صار مملا كئيبا دائم القلق يتفحص هاتفه كل 3 دقائق و هو معهم و يتصنع الابتسام ثم يغادرعم على عجل معتذرا ﻷن عمته قد ماتت للمرة الثالثة خلال أسبوعين…

سيسافر؟ أين؟ الساحل؟ جسده الممتليء كفرس النهر الصغير لا يصلح للعرض العام على الشواطيء فضلا عن انه لن يساعده كثيرا على الطفو..

تذكر في خجل انه قد صار مقصرا حتى في الصلوات..عزم على الذهاب إلى المسجد..لكنه اثاقل إلى الأرض حتى فاتته الجماعتين الأولى و الثانية لأنه  أطال المكوث في الحمام دون داع

لم يكن قد كلم أهله منذ فترة..رفع سماعة الهاتف و كلم أقاربه..انقسموا إلى قسمين..قسم لم يصدق أذنه أصلاو كاد أن يغلق الهاتف..و الاخر ظن أنه يريد مصلحة ما من وراء اتصاله و نعته بالمتكبر النرجسي…

علاقته بخطيبته أيضا كانت متوترة ﻷنه دائم الانشغال كثير النسيان..و هما خصلتان تكفي احداهما فقط لنسف أي زيجة محتملة

فتح التلفاز ليجد بلدا أخرى غير البلد التي تركها..شعر بتأنيب شديد للضمير عندما علم من مواقع التواصل أن زملاءا له يعرفهم و يعرفونه قد اعتقلوا..أين كنت أنا من كل ما يحدث ؟..

يا الله

****

تحجر العقل الذي كان دائم التحليق في عالم الخيال..فوق القصور اللامعة التي يتبارز الفرسان على أسطحها..يحلق فوق الغابات الخضراء مع سرب من التنانين الغاضبة..يحلق فوق جزر خيالية يقطنها اكلي لحوم بشر يلوحون له كي ينزل ..لن يفعل طبعا..

تجمد عالم الخيال بفعل الصقيع و تهشمت الأجنحة..صار الكون عالماَ مملاَ كما يألفه الكبار..أظن هذا هو ما نصفه بال(مسئولية)

حقا ﻷم أدر كم كنت أحتاج لتلك الإجازة كي أفتح دفاتري القديمة و أطالع ما كنت أكتب..و أفتح دفتر الهاتف و أتذكر بخجل الأسماء التي تلهيت عن الحديث معها منذ زمن..أرجو أن يكون لديهم شيء من التسامح عندما يسمعون صوتي..

فتحت برامج الرسم و دفتر الكتابة..تذكرت أصدقائي الذين اختفوا في غياهب السجون و المعتقلات..رأيت لا سمعت ما يحدث في العالم كثير الضجيج..لكنني لم أكن حتى أسمعه أو انتبه إليه!!

عدت إلى عالمي مرة أخرى..حيث أنا ال

Protagonist..

و لا يوجد من يفوقني رتبة و يسعى لتهميشي أو السخرية من أدائي في العمل..لا يوجد مرضى تم تحويلهم من أستاذ كبير ليعكروا صفو يومي بعنجهيتهم..لا توجد مكالمات كل ساعتين من شخص مزعج يظن أنني أعمل في مركز للرد على المكالمات الهاتفية..

غريب !! لا تبدو طلبات صعبة إلى هذا الحد ألا تظن؟..

مرحبا بعودتي..اشتقت إلي كثيرا..أراني الاجازة القادمة..إلى اللقاء

*****

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: