BrainStorm

يريد الله أن يخفف عنكم و خلق الإنسان ضعيفا

Category Archives: Uncategorized

42-اعترافات عقل مظلم..

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

dark-souls-2

لسنين طويلة كنت أشعر أن شيئا ما ليس على ما يرام..رغم أني أخرج من المنزل كل يوم لأذهب إلى العمل كالعادة في المواصلات العامة..المضايقات كانت عادية..لم أكن ألتفت كثيرا..قصص أمن الدولة الذين يصطادون رواد المساجد كنت أحسبها خرافية حتى قابلت من مر بها من زملائي..هنا بدأت اشعر بتلك البرودة في أعماقي..

ذلك الحاجز لجليدي الخفي..لم أكن أراه لكنني كنت أشعر به..كنت أبرر الأمر أن هناك طرق سهلة و طرق صعبة لكل أمر..و أنا اخترت الطريق الأصعب فلم العجب؟ لكنني في النهاية كان بإمكاني التعايش..

مرت أعوام أشبه بالمشي على الحبال..تهتز قليلا لكنك لا تسقط..تمني نفسك بأنه عندما تنتهي الأمور لن تتذكر أي شيء من هذه المتاعب..

لكن حتما كان الحاجز الجليدي موجودا..كان يتبعك أينما تذهب..تغادر المنزل..تقابل جارك..تقفا معا في المصعد..ينظر جارك إليك خلسة و يجذبك للحديث في أمور ما تتجنبها أنت في كياسة..يقف الحاجز بينكما كشخص بارد مبتسما في سخرية..

تسير في الشوارع ..تتوقف عند بائع الجرائد..تطالع العناوين في رتابة..تصطدم بالأخبار إياها..تلتفت لتجد الحاجز يبتسم مرة أخرى و يهز كتفه بذات السخرية..

تركب المواصلات العامة..يلتفت إليك الكمساري ” خش يا شيييخ”

تدخل ..تصطدم بكتف أحدهم فتعتذر..يطالعه وجهك فرد بحدة..عبارة من نوع ” مش تحاسبوا بقى” ..ربما كانت ردة طبيعية لكنك صرت حساسا في الاونة الأخيرة..عموما لن تصطدم بكتفه مرة أخرى خلال الرحلة لأن العملاق الثلجي يقف بينكما يطالع عناوين صحيفة صفراء في يد أحد الجالسين..تصمت أنت و تخرج مصحفا كما اعتدت – و اعتادوا- و أحيانا يدفعك شعور غريب أنك لا تريد اخراج المصحف أمامهم و أنك تريد فقط أن تنظر من النافذة في صمت..

حتى بعد العودة للمنزل..تجلس على طاولة الطعام ..الأسرة تفتح التلفاز..فيلم ساخر لممثل كوميدي مشهور..معه رجل يرتدي لحية مزيفة لم يكلف المخرج نفسه عناء تدبير تنكر أفضل حتى…يقول شيئا فتضحك الأسرة و تصمت أنت ..تجد الرجل الجليدي يجلس بينك و بين أبيك و يضحك بشدة هذه المرة..و قد بدا أنه قد ازداد ضخامة في نهاية اليوم…

****

أعتذر لم أعرفكم بنفسي..أنا اخوان..

حسنا على الأقل هذا ما يقال (عني)..فما يقال لي هو (شيخ) ..لكن تصنيفي لدى أغلب سكان هذه البلد هو (اخوان)

هل صافحت المرشد و بايعته بالدم؟ لا لم يحدث..لكن كلمة اخوان هنا تطلق على كل صاحب لحية كما ترى..موضوع البيعة و المصحف و المسدس هذا خلب لب العقول بعد الاعمال التليفزيونية لكنه لم يفلح في جعل المصري يقرأ أو يبحث عن الفروق بين الاسلاميين…فكلهم متطرفون..و كلهم متشددون

“يا عم اأنت يعني تعرف ربنا اكتر مني! انا بصلي ساعات و بصوم..انت يعني عشان بدقن تبقى احسن مني”

جدال سوفسطائي عقيم لو كان أفلاطون راه لمات من الفالج..تكاد تنفجر غيظا و أنت لا تستطيع  أن تجاري شخصا لا يقرأ و لا يبحث..و لا يعترف بخطئه..ثم إنك مسست منطقة حساسة جدا في صميم الشعب المصري..فهو متدين بطبعه..قد لا يصلي و لا يصوم لكنه يبقى متدينا بطبعه..

قد يلعن و يسب الدين..لكن هذه زلة لسان..يبقى متدينا بطبعه

قد يتحرش و قد يشاهد قنوات العري..لكنه طيب القلب فضلا على أنه لا يمارس الزنا فهو متدين بطبعه..

قد يلعن رموز الاخرين الدينية و يشجع على اقصائهم من الوظائف..لكنه ليس اخوان و لا ملتح لذا فهو أكثر قبولا لدى الاخر

قد يصرخ بتمكين الأزهر لكنه في النهاية لا يعلم شيئا عن فتاوى الأزهر و تقتصر علاقته بعلماء الأزهر على خطبة الجمعة التي يفوته نصفها و لا يفقه النصف الاخر..و كتب الدين بتاعت الوزارة

لا تحاول الحديث معه من فضلك عن اللحية حتى بالاستحباب ..و لا تكلمه عن الأئمة الأربعة فأنت لا تعلم شيئا أكثر منه..و لست أحد خريجي الأزهر و ترتدي ردائهم المميز حتى تطلق لحيتك المهذبة..ثم إن الأئمة الأربعة ليسوا مصريين أصلا..

….

في نهاية المطاف تجد نفسك أيها الاخواني\الملتح تعترف بالحقيقة التي طالما أعماك قلبك الأسود عنها

نعم ..أنت لا تنتمي لنسيج هذا الوطن الجميل ..الوطن العظيم المتسامح..

مصر..

نعم..أنت جسد دخيل ..تهاجمه الأجساد المناعية الأمنية فتقتله عقابا له على جرمه..لا تصدق من يقنعك بأن جرمك سياسي..جرمك أنك لا تستحق العيش بسمتك و عقلك هذا هنا

مصر..

مصر النيل..و الأهرامات..و الاحف..و أم كلثوم ..و عبد الحليم..و عبد الناصر..و السادات..

مصر..أفلام الأبيض و الأسود التي تعرض في التلفاز..و المساجد التي تضم قبور الأولياء

مصر..الموالد..و الأفراح..و ابن البلد الشهم حليق الذقن..و الشباب الزاهر الجالس على المقاهي..و حديقة الأورمان

اعلم أيها الدخيل..القادم من سديم كوني بعيد..يا من رضعت من بلاد التطرف..أننا لسنا دولة مارقة كأمريكا..يعيش فيها مختلفي الأطياف جنبا إلى جنب..لا ..نحن بلد واحد و نسيج واحد ..يقبل التعدد..لكنه يقبل التعدد الذي نراه نحن..الذي يؤمن بكل الأشياء التي ذكرتها لتوك..فإن كفرت بأيها لفظتك مصر البهية

..

التعددية تفسد نسيج الوطن؟

لا في الواقع ..نحن شعب عنصري بامتياز..

عموما لن تقف عند هذه النقطة..

فأنت “اخواني” كما يقول أبناء البلد الأصليين..أو “وهابي متطرف بترودولاري” كما يصفك المتحذلقين الأكثر ثقافة -لكنهم أيضا من أبناء الوطن الأصليين ..

****

ربما كنت تكابر نفسك منذ زمن لكن رؤية الدماء و القتلى ..و شماتة سكان مصر الأصليين..مصر الطيبة البهية الأصيلة..مصر الأهرامات و أم كلثوم ..الخ

كما ترى الكتالوج الخاص بمصر لا يتضمنك..

في يأس تنظر حولك ..لم تفلح نقاط السياسة المشتركة بينك و بينهم في فنح حوار..و لم تفلح حتى رابطة الدين..فأنت على دين مخالف..و لم تجد بدا من الاعتراف بأنك حقا لا تنتمي لهذا المكان ..

لا يهمنا إن كنت طبيبا أو مهندسا أو عالما..فأمثالك هم سبب تخلف الأمم ..و ندخل الحمام باليمين و لا الشمال ..كفاية تطرف و جهل بقى..

*****

تشعر بالبرودة فجأة تزداد..تلتفت لتجد العملاق الثلجي و قد تضخم مئات المرات ليبتلعك..أو يبتلعهم..لا تفرق كثيرا

ينظر إليك في شماتة..

ثم يمد يده..ترى فيها أوراق سفر..تنظر إليها مليا..لكنك تحسم أمرك حينما تسمع من بعيد صوت فرح شعبي مبهج..يضحك فيه الناس و يفرحون مع بعضهم..و صوت المغني يدوي في عقلك كأنه يعاجلك بالرد

اااااديك تركب طيارة..”

تقبض الأوراق من يد العملاق ثم تلتفت مغادرا المكان

*****

Advertisements

40- البحث عن الجزء المفقود..

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته..

puzzle

لماذا تنتشر قصص الرجال الخارقين هذه الأيام؟ لماذا يطالعنا دوما وجه مراهق عاثر مرتبك يعاني من الفشل الدراسي..ثم بعد أن يلدغه شيء ما أو يسقط على رأسه شيء اخر يحقق ل ما يصبو إليه في ثانية واحدة و يصير بطلا في أعين الناس أيضا؟

الحقيقة أن كيثير من الناس أدركوا أنه لا سبيل لتحقيق أحلامهم في عالم خانق متخم بالصراعات في الشارع و في الإعلام..صاروا يخجلون من طموحاتهم البسيطة التي لا تجد مكانا في هذا الصراع..و هيأ لهم كتاب القصص الخيالية عالما اخر يرون فيه البديل لتحقيق أحلامهم..

شخصية سوبرمان ظهرت أثناء الكساد المالي الكبير الذي عانت منه الولايات المتحدة في الثلاثينات و دفع البعض للانتحار..كان الواقع ثقيلا..كانت النفوس كهلة لا تقوى على رسم البسمة على شفاهها..لهذا كان الشاب الخارق الذي أتى من كوكب اخر ليطير في  سماء نيويورك يسلب عقول المواطنين الأمريكيين..فينسون ديونهم و أعبائهم و ما سيحدث غدا ..و يتابعون بأعين حالمة الشاب القروي البسيط الذي استطاع أن يتجاوز ناطحات السحاب لى السماء

في الماضي القريب كانت هناك لعبة اسمها

Second Life

انتشرت على شبكة الانترنت.. لم تكن لعبة بالضبط

كانت مجموعة من الشخصيات المتحركة ذات الالاسامي الافتراضية تتحرك بينها و تنشيء علاقات ..بعضها يطير و بعضها يمزح ..اللعبة لم يكن لها أي هدف سوى ما يظهر من اسمها..أن تكون شخصا اخر

كانت فكرة غريبة!! لكن الأغرب هو النجاح الذي حققته ..حتى قامت بعض البلاد ببناء سفارات لها داخل اللعبة..ربما هذا ما أدى لتراجع نجاحها بعد ذلك..من يمارسون تلك الالعاب لا يحتاجون لشيء يذكرهم بالواقع..

هكذا تجد أن الفترات الصعبة التي تمر بها الشعوب من صراعات سياسية و عرقية و حروب ..كل هذا يطفيء داخل الناس بريق الطموح..و من يسعى منهم في كد نحو هدف ما تجده دوما قلقا متوترا ..يشعر بالتحفز و يخشى كل ما حوله..يخاف من أن يحلم بنفسه في عالم أفضل و يستعيذ بالله من تلك الوساوس الخيالية التي يشتهيها و لكنه يخشى أن يعلق في عالمها الساحر إلى الأبد..

ربما كانت الماديات عبئا لا يحتمله قلوب البشر..و ربما كان الدين و ما يقدمه من روحانيات هو أفضل خلاص من كل هذا العبء..لكن مع الأسف حينما تزحف الماديات و الخوف من المستقبل..يكتشف الإنسان أنه لم يترك في قلبه مكانا مخصصا للإيمان الصادق ليدفع عنه هذا القلق..و يبدأ رويدا رويدا تتسلل تلك الجمل إلى ذهنه

“طب ما هو العمل عبادة برضه..كفاية اننا نصلي الفروض..”

قائل هذه العبارة غالبا لا يعمل لكن بيبرر لنفسه التكاسل الغريب الذي أصاب قلبه عن العبادة..بل و أصبح لا يقوى على العمل أيضا و قد تسلل اليأس إلى قلبه..

“و السياسة دي ايه؟ ما هي حال البلد ..و الواحد لازم يقلق على بلده…و لازم يتابع اللي بيجرى فيها

“المؤمن كيس فطن

قائل هذه العبارة صار مدمنا لقنوات الأخبار ووصلات الأخبار على الانترنت

“احنا بننصر الاسلام بعملنا دا”

قائل هذه العبارة قد يكون قد قضى حياته داعيا إلى الله..لكنه الان انشغل بدعم حزب سياسي عن العبادة و الدعوة..معللا ذلك أن هذا يقوده إلى التمكين و نصرة الدين أمام أعداء الدين…و أن هذا نفع متعدي

الحقيقة التي لا ينكرها أحد أن المساجد التي كانت خاوية أيام سطوة رجال أمن الدولة …لا تزال خاوية في عصر الأمن و الأمان..و من كانوا يقومون الليل قبل الثورة..صاروا ينامون عن صلاة الفجر لسهرهم الطويل أمام قنوات الحوارات و الأخبار..

لا أتحدث هنا عما يحدث في بلدنا على الصعيد السياسي..لكنني أتساءل..ما الذي أصاب جيلا كاملا من شبابنا ؟ هل كانت الصلوات السنن تعطيلا عن العمل ؟ أو صيام النافلة مثبطا للهمم؟ أو صلاة الليل ملهاة عن متابعة أحوال البلاد أو نصرة اخواتنا المستضعفين في بلاد أخرى؟

دعني أصدمك إّذا..افتح بروفايلك الان..تصفحه ببطء..ارجع بتاريخ التصفح إلى الوراء..لترى أنك صرت أكثر التصاقا بشاشة جهازك..و صار بروفايلك كله يعج بالمشاحنات السياسية..كان الأمر في البداية نية صادقة لنصرة الدين..لكن ما أن دب الخلاف بينك و بين أصدقائك المعارضين حمي وطيس المعركة و بدأ التراشق بمقاطع الفيديو و المقالات..

الان ما الذي استفدته أنت؟ هل تغيرت إلى الافضل؟ هل تغيرت بلدنا و شبابنا إلى الافضل؟ هل هدى الله على يديك شبابا لطريق الدين؟ أين ذهبت ابتسامتك؟ لماذا صرت عابسا؟

لقد طغت الحياة المادية – كما اعتادت في مثل تلك الظروف – على عقول مثقفي هذه الأمة و ممن يستطيعون لقراءة و يتابعون الأخبار..أما من هم أكثر بساطة فقد جلسوا على الرصيف وسط أحلام اليقظة يترحمون على أيام الماضي و يترقبون مسلسلات رمضان و برامج مسابقات الغناء في عالم مليء بالاضواء لا يعرف صراعا سوى رسائل الاس ام اس…

الان و قد اقترب رمضان أرجو أن تتذكر كل هذا ..تذكر أنك كي تنصر شخصا في معركة عليك أن تلازمه و تلزم ظله…فلا تتوقع أن تنصر الإسلام و ا،ت تقف بعيدا عنه هكذا..ربما كانت الأعمال بالنيات..ﻷكن دعني أصدقك القول..أنني نشرت أشياء كثيرة في الاونة الأخيرة لا أدري فيم كنت أفكر عند نشرها؟

كان السلف كالإمام يصححون نواياهم قبل الهم بأي عمل حميد..فما بالنا و نحن ننشر مقاطع نفضح بها الاخرين..و لو كانوا هم من فضح أنفسهم على الملأ..و لو كانوا يخالفون ما نعتقده..

الان صرنا نترقب يوم 30-6 و لكننا لا ندري بالضبط في أي يوم بالتقويم الميلادي سيكون شهر رمضان

حينما تقف لتناجي ربك ليلا فتشعر أنك قد استعدت جزءا مفقودا منك..جزءا من روحك سقط منك سهوا لكنك لم تشعر بفقدانه..لتطالعك مشاهد جميلة لرمضان الماضي و الذي قبله و الذي قبله..لتزيح تلك الكهولة و الياس عن روحك..لتنسى مشاحنات و كلمات خاوية مسطورة على شاشات مضيئة و رجال يرتدون البذلات و العباءات يتشاجرون و يتناطحون على شاشة التلفاز..

..غفر الله لنا و إياكم و بلغنا رمضان

****

39-عزلة صاخبة..

image

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته..

لطالما كنت أحاول أن أبقي ما يكتب في هذه المدونة بعيدا عن تفاصيل حياتي الشخصيةلأنني أؤمن أن هؤلاء الذين يكتبون عن أنفسهم و ما يمرون به من صعاب هم ضعاف العزيمة لا يقوون على كتمان مشاعرهم ..ـأو ممن يستجدون تعاطف الناس للفت الأنظار..أو من هؤلاء الحمقى الذين يؤمنون أن السير الذاتية تجذب دوما عددا هائلا من القراء و أنها الأسهل في الكتابة من أن تؤلف قصة تحكي مأساة شخصا اخر..

أعدك أنني لست واحدا من هؤلاء ..أنا ببساطة شخص يحاول ترويض إعصار هائل في رأسه بمحاولة ترتيب الأحداث التي مرت به خلال ستة أشهر فقط..لكنها كانت في أهميتها تفوق ما مر به في سنين عمره الست و العشرين الماضية..

أتأمل مروحة السقف متصنعا العمق ..الجو حار خانق ..محاط بكتب بها الكثير من الرسومات التفصيلية عن تشريح وفسيولجيا العين..متوجسا أرمق باب الغرفة منتظرا ذلك الصول الذي سيأتيني في أي لحظة كما يفعلون دائما لنهب محتويات العيادة..أو مكالمة من الهاتف الابيض المقيت الذي لا يحمل لي سوى المتاعب و المأموريات و زيارات ليلية لمتصنعي المرض الذين يمرون بأزمة منتصف العمر..

أهلا بك في الجيش عزيزي الطبيب المجند..

*******

أحاول أن أمسك طرف الخيط الذي بدأت منه الأحداث..فلا أتذكر سوى ذلك الفجر ..ذلك الفجر..حينما انتبهت إلى أن أمي التي اعتادت على أن تهب من نومها مع أقل صرير يصدر عن باب الغرفة..كان المنبه يدوي منذ دقائق في الغرفة لكنها لم تستيقظ بعد..ذهبت لأوقظها لأجد يدها التي تراخت في الهواء بجانبها باردة كالثلج..أزحت الوسادة التي اعتادت وضعها على رأسها أثناء النوم..

حدثني الكثيرون عن موت الفجأة ..لكنني لم أكن أتخيل وجوده قبلا ..ربما لضعف في الإيمان..ربما لأن الأطباء غرهم ما درسوه عن الأمراض أعواما طوالا حتى صار فكرة أن يموت شخص دونما علة أو مرض هو شيء لا يقبله العقل..تكلم الكثيرون يومها عن الذبحة الصدرية و الارتجافات البطينية..لا أعلم ما الجدوى..ما حدث قد حدث و لم أر الطب هذا اليوم ينفعني

*********

الصبر عند الصدمة الأولى..

علة أخرى في الإيمان..الصبر عند الصدمة الأولى..كالسيدة التي جلست تبكي عند القبر و مر عليها رسول الله صلى الله عليه و سلمكلنا استنكرنا عليها فعلتها..لكن دعني أخبرك ..هذا شيء صعب جدا..ألا تبكي ألا تنتحب..أن تفقد احساسك للحظات ..ألا تذكر أن تحمد الله و تسترجع إلا بعد رجوعك إلى المنزل الخالي و توالي المكالمات..لكنك لا تذكر بالضبط ما حدث خلال تلك الساعات..لهذا صدق رسول الله حين سماها الصدمة..للأسف تكتشف أن الصبر يرتبط بالإيمان الحقيقي في القلب..لا بلحيتك ولا صلاتك و لا عملك..بإيمانك….

حينما تضطر في ظروف كهذه أن تترك أسرتك ..و قد شعرت فجأة بعمق الرابطة التي بينك و بينهم الان فقط و في هذه اللحظة..تجد نفسك مسافرا في وسط الصحراء لتقيم وسط الأغراب تمارس نوعا من الطب المشوه..الذي هو خليط من الطب و الصيدلة و التملق و المداهنة و بائع السوبر ماركت..لتكتشف نظاما جديدا من العبودية يجعلك تفهم لماذا يصر كل من ينهي جيشه على السفر و مغادرة البلد..لقد رأى ما لم يره الاخرون..لقد عرف أكثر من اللازم..

في هذه الأثناء كان بيتنا في حال يرثى لها بعد وفاة والدتي..حقا لم أدرك كم كانت والدتي هي عماد هذا البيت ..حتى رحلت..حينها بدأنا نتخبط في ادارة المنزل ..و استذكار الدروس..فننجز شيئا و نخفق في اخر..كيف يمكنك أن تستيقظ يوما لتنظف الشقة و تطهو لعائلتك و تذهب للعمل و تعود لتستذكر دروسهم .. أنا و أنت لا نستطيع فعل ذلك..لكن هناك شخص فعلها اسمه أمي..لا أعلم كيف لكن أمي كانت تفعلها كل يوم..كل يوم..لأكثر من عشرين عام..

….

أجنحة متكسرة..

كلنا نحلم ..كلنا نطمح أن نكون شيئا ما..كلنا نتمنى أن نبرع في ما نفعله..أن يشار إلينا بالتميز و النفوق..أن نكون نجوما لامعين..و أنا لست مختلفا..حاولت كثيرا أن أكون طبيبا ماهرا في تخصصي..قرأت الكثير ..درست الكثير..شاهدت الكثير..لكن ما المقابل؟

أتذكر عندما كانت أمي تكلمني لأعود للمنزل لأساعدها ..فكنت أرد عليها بانشغالي في العمل و أنني سأبيت هناك ..رغم أنني لم أكن مضطرا..كانت أمي تصمت..

تجد نفسك بعد فترة معتادا على تأدية كل تلك المهام الصغيرة القذرة التي تمت لعملك بصلة من قريب أو بعيد لترضي رب عملك..و تتناسى أن هناك بالمنزل من ينتظرك لتساعده..من هو أحق بجهدك من هؤلاء..الذين اكتشفت فيما بعد..أنهم لا يحفظون ودا و لا عهدالا كبيرهم و لا صغيرهم..جل ما يهمهم هو اتمام العمل حتى لا يأتيهم التقريظ و اللوم ممن هو أكبر منهم..و أنت طبعا تقبع في الدرجة السفلى من السلسلة….

لا أحد منهم يكترث لأمرك مثلما كانت تفعل أمك..لا أحد منهم يطهو لك الطعام أو يكوي ملابسك..لا أحد يدعو لك في صلاة الفجر أو يشفق على مرضك..و في أول لحظة تضارب مصالح ترى الوجه الحقيقي لبعضهم..لتكتشف بعدها أنك أضعت عمرا في ارضاء الشخص الخطأ..تحت مسمى تأدية العمل

لكن للأسف هذه افة مجتمعنا كله..حيث يرتبط تملق رب العمل وارضائه بالجزاء..نظام عبودية اخر لا يختلف كثيرا عن الخدمة العسكرية

لا تحاول المراوغة من فضلك و تدعي أنك تسعى أن تكون طبيبا مسلما ماهرا الخ ..الخ..هناك الكثير ممن يمكنهم أن يبرعوا في الطب..لكن لا يوجد شخص اخر ليساعد أبيك العجوز و أمك المريضة في المنزل……

بعد وفاة والدتي صارت الأمور أصعب..لكنني لن أتردد كثيرا هذه المرة ..ربما كان الطموح شيئا جميلا ..لكنني أبدا لن أرتكب ذات الخطأ مرتين..فلينتظر الطموح يوما اخر..سيأتيني رغما عن أنفه……

*******

دكتور زيفاجو

كعادة الملاحم الاجتماعية تتلاقى ظروف البطل مع ظروف المجتمع ..فكانت قصة دتور زيفاجو انعكاسا لما مر به هو و من حوله أثناء الثورة البلشفية الروسية..و كيف أثرت تغيرات المجتمع وقتها على حياته ..

لا ..يمكنك أن تلحظ في عيوني المتراخية على التلفازالذي لا أشاهد فيه سوى قناة القرآن و قناة الكارتونأنني بعيد كل البعد عن هذا الهراء الان..لا أفكر كثيرا في حزب أو زعيم ..في حكومة أو معارضة..بعد أن كثر اللغط على مواقع التواصل الاجتماعي..كل فريق يضع صورة بها دائرة حمراء حول شيء معين يثبت أن الاخر مدلس و كذاب و مخرب..و ووجه ياو مينج المستفز لم يفقد شعبيته بعد..حقيقي لا أرى سوى وطن ينهار بين حكومة و معارضة ..يردد الأغبياء من الطرفين هذه الجملة ليل نهار دون ادراك أنهم هم سبب انهيار الوطن..فالدولة خيبت امال لابنائها..و لم تحقق شيئا من العدالة المنشودة..و لم تنصر الشريعة من بعيد أو قريب ..و المعارضة لا هم لها سوى ترقب كل مصيبة أو كارثة تحدث للوطن لتنقض كالطيور اكلات الجيف تملأ الدنيا صراخا و عويلا و تويتا..

لا ..دعنا لا نتوقف عند هذه النقطة..ليس هناك الكثير مما يقال..

******

حينما طرح أحد أفراد عائلتي فكرة الزواج أول مرة شعرت بالسخف..

كنت أتخيل نفسي وقتها رب الأسرة..فوالدي كبير السن..اخوتي صغار لم ينهوا دراستهم بعد..لا أتحدث عن المقدرة المالية و كل هذه الهراء..لكنني شعرت أن الزواج الان هو ضرب من الأنانية المفرطة..كنت أقرأ كثيرا في بريد الجمعة عن الأخ الكبير المضحي..الذي ذهب ليعمل بالخارج و ظل يعول أسرته و اخواته الصغار ..حتى فاته قطار الزواجبالطبع لم أجسر على أن أتخيل نفسي في موقف كهذا..أنا لست بهذا النبل..لكنني في المقابل كنت أشعر أن من يتزوج الان في هذه الظروف هو وغد جشع لا يهمه سوى صالحه الشخصي..و لربما سعى في غمرة جشعه أن يسلب اخوته الصغار أموالهم..هذه الفكرة الأخيرة كانت تؤرقني بشدة..تبا..يا لي من وغد ..

حتى فوجئت ذات يوم أن من يطلب مني أن أبحث عن زوجة هو والدي شخصيا..كيف؟ كان قديما يطلب مني التريث..الان يستعجل الأمور بشدة و يعدني بتجهيز الشقة البسيطة التي نملكها من ماله..و يحثني على البحث عن زوجة و بسرعة..

قال لي ذات مرة عندما رأى امتعاضي من الشقة البسيطة أنت زعلان ليه!! أنا بعمل كدة عشان تفرح!!”

كانت كلمات مؤثرة..أدركت بعدها أنني لازلت الطفل الصغير..و أنني لا أختلف كثيرا عن اخوتي الصغار..و أن أحلام الأخ الكبير رب الأسرة هي ضرب من الخيال

..

غير أنني صدمت بعدها أثناء رحلة البحث عن زوجة بمن كنت أظنهم ملتزمين خلقا و دينا..أدركت كم هو سهل أن تدعي التدين و الالتزام و تيسير الأمور حتى تأتي لحظة الحسم..فترى الوجه الحقيقي لأسرة فتاة مصرية عادية..تبحث و تنقب..تكذب و تخفي..تباهي و تدعي..ثم في النهاية ترفض….

حمدت الله على أنني لم أزج بوالدي الحزين مثقل الكاهل في هذه القصة التي لم أخضها بعد و لا أرغب في خوضها بهذه الطريقة..

أيها الشاب الملتزم الغر..فضلا لا تثقل على أهلك بأحلامك عن فتاة الأحلام الملتزمة التي ترضى بأقل القليل..و الأب الذي يطلب لابنته مهرا حفظ اتمام حفظ القرآن الكريم..أفق من فضلك ..

*******

عدنا للغرفة الضيقة..و مروحة السقف..و الباب الذي ينتظر دقات الصول الفجة من أجل دواء لأسرته أو قياس الضغط للمرة الثانية في نفس اليوم..أو البحث عن دواء الكحة لأسباب معروفة طبعا..

يستغرب الكثيرون هنا لم أغلق باب الغرفة دوني و أجلس صامتا أقرأ أو احتسي القهوة..لا بد أن البعض يظنني مخبولا..غير أنني أفضل الخبل على قطع هذه العزلة التي تجعلني أعيد التفكير بين الحين و الاخر و أضع الأمور في نصابها

يقول جبران ” الوحدة مملة..لكنها أكثر انصافا من ضجيج يمتليء نفاقا ” و هو محق تماما….

أشعر أن العاصفة قد هدأت قليلا داخل رأسي..الآن تصير العزلة في هذا المكان نشاطا محببا..تشعر أنك تقترب من فهم أشياء لم تكن لتفهمها قبل الآن..أنك وصلت لمرحلة من الصفاء الذهني في عالم صاخب خارج باب هذه الغرفة..

ما لا يقتلك لن يجعلك أقوى إلا إذا لم تستسلم أنت للظروف و وقفت تبكي ..

أنا في الجيش ؟ لا أمارس الطب؟ حسنا لكن كومة الكتب أمامي كتبها من يمارسون الطب..

الطعام قليل ؟ فرصتي لأتبع حمية و أمارس الرياضة ! ..المرتب لا يكفي؟ تعلم الادخار و ابدأ في العمل والاعتماد على نفسك..لا أحد يخدمك؟ تعلم الطهي و غسيل الملابس و كيها ..يجب أن تجعلك هذه التجربة شخصا اخر..الاستسلام للظروف يعني الفشل..و أنا أمقت الفشل ..

فقط تؤرقني هذه الكوابيس التي أراها ليلا أثناء نومي على سرير الكشف بالعيادة ..لماذا ما زلت تبكين يا أمي؟

هل سمع أحدكم صوت طرقات على الباب؟

******

جندي طبيبمحمد رفعت

8-5-2013

الله ..الوطن

37- سلام يا صاحبي..

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته..

يااااه..كل دي نوتيفيكاشنز؟

فتحت قائمة تنويهات الفيسبوك لأجد حوالي 10 تنويهات جديدة جاءتني في خلال 4 ثوان فقط..تبددت دهشتي و أنا أطالع الوجه المبتسم صاحبها كلها ..

“يخرب عقلك ياض يا كانبو ..ايه الحماسة دي كلها؟

كالعادة كان يحب نشر خبر اي مؤتمر او دورة تعليمية على كل التجمعات الطبية على الفيس التي اعرفها والتي لا اعرفها..
“مبتزهقش يا برنجي ولا ايه؟ دا لو انا كان اخري احطها على جروب واحد..و لو كان التحميل بطأ كان زماني قفلت الصفحة يا عم و فتحت انجري بيردز..”

لا أذكر يوما أني رأيته متجهم الوجه ..دائما تلقاه هاشا باشا ..

لم أعهد شخصا مثله يهرع لنشر الخير على من حوله كأنه يحمل بين يديه قطعة فحم مشتعلة !!و كنت أحب فيه رغبته في تخطي المألوف و أساليبه المبتكرة في المزاح..

اه يا قلبي يا كتاكت ياما انت شايل و ساكت”

ازيك ياض يا حليوة أنت؟

و السمايلي المفضل لديه

^_^

حتى قبل هذا اليوم بيوم واحد ..كان يكتب معلنا عن مؤتمر في مكان ما و كنت تلقائيا ما اضغط “لايك” و قد أحضر هذا المؤتمر او لا احضره..فإذا حضرته اتكاسل عن ابلاغ كل من أعرفهم بدافع الكسل لا اكثر..و حين يعاتبني أحدهم أرد

يا بني ما تخش على أي جروب على النت شوف بوستات قنيبر؟

****

“.. ..علي صوتك مش سامعك

“…قنيبر مات”

“ايه مين اللي مات ؟ حد من أهله؟..”

لا ..قنيبر نفسه هو اللي مات

***

هناك أشخاص يمرون في حياتنا كالطيف ..يموتون فجأه فيفجعوننا مرتين..

مرة لأننا ندرك كم أن الموت أقرب إلينا مما نظن..
و مرة ﻷننا ندرك أننا لم نشعر كم أننا نحبهم و نفتقدهم إلا عندما نخسرهم..

في عالم كبير موحش نصطدم ببعضنا البعض فيه فلا نلتفت  ..في زمن لا تلتقي سبلنا فيه إلا بشكل عابر في مناسبة ما تجمعها فينا المصالح ثم لا تلبث أن تفترق مرة أخرى …

يمكنني أن أقول أنني كنت أتمنى لو أنني كنت أعرفه أكثر ..أو أنني كنت أملك حبه في مساعدة الاخرين دون مقابل ..أو أنني كنت أقل تجهما و تذمرا في مواجهة صعاب الحياة مثله

في الاونة الأخيرة اصطدم الكثير منا ببعضنا البعض ..شجار..شحناء..خصام..

لكن عندما وقع علينا الخبر جلس كل منا مطرقا يسترجع أياما بدت و كأنها بالأمس القريب..أياما كنا نحسبها لن تنتهي أبدا..حينما بدت أبسط الأشياء وقتها هي الأكثر إبهاجا لشباب بسيط يخطو خطواته الجامعية الأولى قبل أن يصيروا أطباء و يفرقهم الطموح…. ..

حتما أثرت وفاته علي بشكل جعلني أتراجع عن قرارات كثيرة اتخذتها بحق من حولي..و نسيت مشاكل و متاعب كثيرة ..

يا الله.. كم تبدو كل مشاكلنا التافهة صغيرة أمام مصيبة الموت و فقد من نحب؟

****
ليه الناس الكويسة مبنحسش قد ايه قصرنا في حقهم و في صحبتهم الا بعد ما يرحلوا؟

***

اللهم اجعل أعمالنا خالصة لوجهك الكريم

اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها

اللهم أرزقنا عملا صالحا يقربنا إليك..

اللهك أصلح ذات بيننا

اللهم أجمعنا بمحمد في الجنة كما جمعتنا به في الدنيا

اللهم اجعلنا مثله ممن يختصون بقضاء حوائج الناس..

****

سلام يا صاحبي

^_^